التدبير المفوض لقطاع التزويد بالماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية والتطهير السائل

  توجد غالبية مدن الشمال، خلال الأسابيع الأخيرة، على صفيح ساخن، وتعيش غليانا شعبيا كبيرا، بسبب الغلاء الفاحش لفواتير الماء والكهرباء، مقابل تدني جودة الخدمات المقدمة من طرف شركة أمانديس المفوض لها بتدبير هذا القطاع الهام والحيوي. ولقد بلغ الغضب الشعبي أوجه حينما اكتشف المواطنون بأن أمانديس تتلاعب بالفواتير وتتحايل على القوانين من أجل زيادة مداخيلها ومضاعفة أرباحها، إضافة إلى استهتارها بشكايات المستهلكين، وانسداد آفاق التظلم أمام هؤلاء. وهنا اضطر المواطنون إلى الخروج إلى الشوارع في حشود غفيرة من أجل إسماع أصواتهم لمن يعنيهم الأمر بكل من مدن طنجة، المضيق، مرتيل، تطوان والفنيدق، مطالبين بمحاسبة ورحيل أمانديس؛ فيما انضمت مدن أخرى إلى هذا الحراك تضامنا مع سكان المدن المتضررة.

 فمنذ حصولها على صفقة التدبير المفوض لقطاع التزويد بالماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية والتطهير السائل سنة 2002، شرعت شركة أمانديس في استنزاف جيوب المواطنين، دون أن يلمس هؤلاء أي تطور يذكر بخصوص الخدمات والاستثمارات التي كان من المفروض على الشركة المذكورة إنجازها بالمنطقة. كما أن العقد المبرم مع الشركة لم يراجع منذ توقيعه، رغم التنصيص صراحة على إلزامية مراجعته على رأس كل خمس سنوات؛ هذا فيما تبدو لجنة التتبع المختلطة، والموكل لها بمراقبة مدى احترام شركة أمانديس لتعهداتها المدرجة في كناش التحملات، عاجزة كليا عن الاضطلاع بمسؤولياتها الجسيمة، لأسباب تظل مبهمة.  هذا الأمر جعل شركة امانديس تتمادى في خروقاتها، وتتهاون في الالتزام بتعهداتها اتجاه المواطنين، حتى أصبحت كابوسا يقض مضجعهم. فوجد مواطنو الشمال أنفسهم في مواجهة مباشرة مع شركة – وحش تخرق كناش التحملات جملة وتفصيلا، سواء فيما يتعلق بالاستثمار في البنيات التحتية واللوجيستيك، أو فيما يتعلق بالجانبين المالي والتجاري، دون إغفال الجانب الإداري، حيث تعيش أمانديس مشاكل كبرى في تدبير مواردها البشرية.

إن تراكم كل هذه الاختلالات، إضافة إلى قيام الحكومة برفع أسعار بيع الماء الصالح للشرب والكهرباء، وتغيير نظام الأشطر وطريقة احتساب الاستهلاك (راجع القرارين الوزاريين رقم 2451.14 و 2682.14، المنشورين في الجردية الرسمية 6275 مكرر، بتاريخ 22 يوليوز 2014) أدى إلى التهاب فواتير الماء والكهرباء بمدن الشمال المذكورة أعلاه، حتى صرنا أمام حالات اجتماعية مأساوية يفوق فيها مجموع فاتورتي استهلاك الماء والكهرباء الدخل الإجمالي لرب(ة) الأسرة. تصوروا كيف أن أرملة جندي سابق تتقاضى معاشا قدره 1000 درهم توصلت بفاتورتي ماء وكهرباء بلغ مجموع مبلغهما 1600 درهم !!! والحالات من هذا النوع كثيرة.

إن تفاعل مختلف إدارات الدولة مع مشكل المواجهة المفتوحة بين أمانديس والمواطنين بمدن الشمال  يشوبه الكثير من القصور و التخبط، وينطوي على نوع من المجازفة بالسلم الاجتماعي بمنطقة الشمال

ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المحتجون الاستجابة لمطالبهم العادلة من طرف الدوائر الرسمية، كان رد فعل هذه الأخيرة محتشما وهزيلا. فبين من سخر من المحتجين وحاول تسفيه وتبخيس نضالاتهم؛ وبين من قام بنشر خطابات التيئييس بينهم، من خلال التصريح بان رحيل أمانديس أمر مستحيل؛ وبين من حاول منع ومحاصرة حراكهم الاحتجاجي؛ وبين من حاول تسييس هذا الحراك والركوب عليه؛ تولد انطباع قوي لدى عموم الناس بأن الدوائر الرسمية تدعم أمانديس ضدا على إرادتهم، وبأن هناك لوبيات قوية تقف وراء أمانديس يتجاوز نفوذها سلطة الإدارة المغربية. وهذا أمر خطير جدا على أمن واستقرار البلاد. كما بدأ المتضررون يتداولون سؤالان مهمان، مفادهما من هي أمانديس فعلا؟ ومن هم مالكو أسهمها؟

وهكذا أصبحت حدة الغضب ترتفع ودائرة الاحتجاجات تتسع، مهددة بأن تشمل مدنا من جهات أخرى بالمملكة، على اعتبار أن هناك  زبناء كثر لأمانديس يستقرون رسميا بمختلف أقاليم المغرب، ويتوفرون في الآن ذاته على مسكن ثانوي بمدن الشمال، وقد خبروا طعم الاكتواء بلهيب فواتير أمانديس؛ بينما المشكل لازال يهدد بتطورات أخطر ما لم يتم معالجته في الجوهر بدل الاقتصار على بعض الحلول النسبية والسطحية. إن تفاعل مختلف إدارات الدولة مع مشكل المواجهة المفتوحة بين أمانديس والمواطنين بمدن الشمال  يشوبه الكثير من القصور و التخبط، وينطوي على نوع من المجازفة بالسلم الاجتماعي بمنطقة الشمال. فالمقاربة الأمنية، وسياسة الأمر الواقع، وخطابات التخوين في حق المحتجين لن تزيد الطين إلا بلة. فبعد ان فقد مواطنو الشمال الثقة تماما في أمانديس، قد تجعلهم المقاربة المتبعة من طرف الدولة لمحاصرة المشكل يفقدون الثقة أيضا في المؤسسات العمومية للدولة ذات الصلة بالمشكل، والمهزوزة أصلا.

إن احتجاجات سكان الشمال إلى حدود اللحظة لازالت سلمية وحضارية وراقية، فلا تجعلوها تزيغ عن السكة بتعنتكم واصطفافكم في صف من ينهب أرزاق المواطنين. فمهما كلف أمر فسخ العقد مع أمانديس، رغم يقيننا بأنه لن يكلف خزينة الدولة شيبئا، فإن استقرارنا وأمننا لا يقدر بقيمة، ويجب أن يكون فوق أي اعتبار. أمانديس، إذا، تهدد السلم الاجتماعي بالشمال، ومنه بالمغرب كله،  فلتجمع أمتعتها ولتغرب عن وجهنا! ولتكونوا حازمين في طردها كما كنتم في تفعيل قرارات رسمية وسياسات عمومية غير شعبية.

http://lakome2.com/mobile/opinion/%D9%85%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D8%AD%D8%B1/7516.html

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s